الشيخ محمد رشيد رضا

248

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

للتناقض والتضاد في الغرائز والسجايا ، ويعادي أيضا المزاحمين له فيها من أمثاله المفسدين ، فلا يكون له هم وراء التمتع وأسبابه إلا الكيد للناس ومحاولة الايقاع بهم فهو يفسد باعتدائه على الأموال والاعراض وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ بما يكون من أثر إفساده في اعتدائه وهو ذهاب ثمرات الحرث وهو الزرع ، والنسل وهو ما تناسل من الحيوان ، وكأنه إشارة إلى مكاسب أهل الحضارة وأهل البادية ، وفي هذا عبرة كبرى للذين يقطعون الزرع ويقتلون البهائم بالسم وغيره انتقاما ممن يكرهونهم وهي جرائم فاشية في ارياف مصر لهذا العهد ، فأين الاسلام وأين هداية القرآن ؟ وذكر الأزهري أن المراد بالحرث ههنا النساء كما في قوله ( 2 : 322 نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) وبالنسل الأولاد ، وهل المراد نساء الناس وأولادهم ، أم نساء المفسدين وأولادهم خاصة ؟ لعل الامر أعم فان المفسدين الذين يطمحون بأبصارهم إلى نساء الناس أو يسعون في إفساد نظام البيوت بما يلقون من الفتن ويعملون من التفريق لا تكاد تسلم بيوتهم من الخراب ظاهرا وباطنا أو باطنا فقط فالمفسد الشرير يؤذي نفسه وأهله بضروب من الايذاء قد يعميه الغرور عنها أو عن كونها من سعيه . وقال الأستاذ الامام إن إهلاك الحرث والنسل عبارة عن الايذاء الشديد وقد صار التعبير به عن ذلك من قبيل المثل فالمعنى أنه يؤذي مسترسلا في إفساده ولو أدى إلى إهلاك الحرث والنسل وكذلك شأن المفسدين يؤذون إرضاء لشهواتهم ولو خرب الملك بارضائها والقول الآخر أن المراد بتولى صار واليا له حكم ينفذ وعمل يستبد به ، وإفساده حينئذ يكون بالظلم مخرب العمران وآفة البلاد والعباد ، واهلاكه الحرث والنسل يكون إما بسفك الدماء والمصادرة في الأموال ، وإما بقطع آمال العاملين من ثمرات أعمالهم ، وفوائد مكاسبهم ، ومن انقطع أمله انقطع عمله إلا الضروري الذي به حفظ الذماء ، ولا حرث ولا نسل إلا بالعمل . وقد شرحت لنا حوادث الزمان وسير الظالمين هذه الآية فقرأنا وشاهدنا أن البلاد التي يفشو فيها الظلم تهلك زراعتها ، وتتبعها ماشيتها ، وتقل ذريتها ، وهذا هو الفساد والهلاك